تحميل كتاب صياد النساء pdf تأليف عباس مدحت البياتي
الملكية الفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب المذكور.
في حالة وجود مشكلة بالكتاب، الرجاء الإبلاغ فوراً من خلال الروابط التالية:
وقفت معهم أشاركهم وأتسلى بتلك النار البائسة، وهي تحاول أن تزجر البرد بلطافتها، تتلوّى أمامنا في صراعٍ واضح مع الرطوبة والعجز. ما جمعناه من أعواد الحطب لم يكن كافيًا، كانت سيقانها ضعيفة ورطبة، لكنها حاولت أن تنصف أحوالنا بشيء من المقبولية. تبادلنا الأحاديث الهامسة حول مصيرنا، نحاول أن نستسقي الأفكار من بعضنا، ونغزل شيئًا من الأمل في هواءٍ لا يرحم. لم تكن النار مجرد دفء، بل تحولت إلى حوارٍ داخلي، رمادٌ يتكلم بلغةٍ لا يسمعها أحد غيرنا. تلك النار الهزيلة تشبهنا تمامًا، تقاوم بصمت، تشتعل بشيء من الأمل، وتذوب أمام نوبات الخوف من المستقبل والصقيع.
صارت الريح تجلدنا بلا رحمة، فيما النار تحاول ردّ الصفعات بالصفعات، كجلادٍ يحمي آخر ذرات الدفء. في تلك اللحظات، قفزت إلى ذهني لعبة "الجلاد والحرامي" التي كنا نلعبها في دربونة المحلة. كنا نحيط الحرامي في دائرة، يحميه جلادٌ وهو يحمل بيده حبلًا بطول مترين ونحن نحاول النيل من الحرامي... واليوم، النار هي الجلاد، نحتمي بها من طقسٍ شرس، نحاول التسلل إلى قلبها دون أن تُلسعنا أطرافها. الطقس يعاكسنا ويهيننا، وأنا أهرب إلى دفئها كطفلٍ يرجو حضن أمّه، أتنقل بين وهج النار وسخط الخيمة، دون مأوى يريحني. لم تغفُ عيناي. حاولت أن أتوسّد الحقيبة، فشعرت بها كالصخر تحت رأسي… لما فيها من حاجات غلظة تشبه غلظة الأيام. وحين رأفت بنا الشمس، هجست بها كأمٍ تعتذر، تمسح بوهجها ما تراكم علينا من الشقاء.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.
كن أول من يشارك رأيه حول هذا الكتاب!